إسماعيل بن القاسم القالي
745
الأمالي ( مع كتابي ذيل الأمالي والنوادر ويليهم كتاب التنبيه مع أوهام أبي علي في أماليه لعبد الله الأندلسي )
[ 70 ] [ مبحث في لا جرم ] : قال أبو علي : حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم ، قال : ذهب بعضهم إلى أن لا جرم أصله تبرئة ونفي بمنزلة لا بدّ ولا محالة ، ثم نقل عن التبرئة إلى القسم كما قالوا : لأقومنّ حقّا يقينا ، ثم قدموا حقّا فجعلوه قسما فقالوا : حقّا لأزورنّك . وجرم اسم منصوب بلا على التبرئة ، ولا خبرها هنا للتبرئة إذ لم يقصد لها ، إنما قصد للإقسام والحلف ، وإلى هذا القول ذهب الفراء وأصحابه . وفيه جواب آخر وهو أن أصله فعل ماض فحوّل عن طريق الفعل ومنع التصرف فلم يكن له مستقبل ولا دائم ولا مصدر ، وجعل مع لا قسما ، وتركت الميم على فتحها الذي كان لها في معنى المضي ، وإن كان الحرف منقولا إلى الأداة ، كما نقلوا حاشي وهو فعل ماض مستقبله يحاشي ودائمه محاش ومصدره محاشاة من باب الأفعال إلى باب الأدوات لمّا أزالوه عن التصرف ، فقالوا : قام القوم حاشيا عبد اللّه فخفضوا به ، ولو كان فعلا ما عمل خفضا وأبقوا عليه لفظ الفعل الماضي ، وكما نقلوا ليس وأصلها الفعل الماضي عن أصلها إلى سبيل الأدوات لما أزالوها عن التصرف وخروج المصدر منها فأقرّوا أخرها على أمرها الأول . فإن قيل : كيف تكون لا جرم قسما وليس فيه معظّم يقسم به ، قيل : إن الإقسام عند العرب على ضربين أحدهما يقع الإقسام فيه بمن يجلّ قدره وتعلو منزلته ، وهو الذي تسبق إليه الأفهام ، ويستعمل في أكثر الكلام حين يقول القائل : وإلهي لأفعلنّ ذلك ، وكقيل العرب في الجاهلية : والرّحم لأقصدنّك ، والعشيرة لأقضينّ حقك ، وهو مكروه عند أهل العلم ؛ لأنه لا ينبغي أن يحلف حالف بغير اللّه تبارك وتعالى . والضرب الثاني أن يعتقد الحالف اليمين والحلف بالعظيم عندهم الكبير في نفسه ، ثم يأتي ببدل منه ، فيقول : حلفا صادقا لأزورنّك ، فجعل حلفا صادقا مكتفى به عن المحلوف به عند وضوح المعنى ، ولو أظهر اليمين ولم يبن على الاكتفاء والاختصار لقال : أحلف باللّه حلفا صادقا ، ولهذه العلة أقسموا بالحقّ ، فقالوا : حقّا لأفعلن ذلك إذ جعلوه عوضا من اليمين ، وحموا على الحق ألفاظا معناهم فيها كمعناه ، فقالوا : كلّا لأطيعنّك ، يعنون حقّا . وقالت الفصحاء : جير لأفعلنّ ، وعوض لأجلسنّ ، يعنون بتينك اللفظتين حقا ، فاحتملت لا جرم من معنى الإقسام مثل الذي احتملت كلّا وجير وعوض . قال أعشى بكر : [ الطويل ] رضيعي لبان ثدي أم تحالفا * بأسحم داج عوض لا نتفرّق وقال الآخر « 1 » : [ الطويل ] وقلن على الفردوس أوّل مشرب * أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره « 2 »
--> ( 1 ) هو المضرّ بن ربعي ، راجع شواهد مغني اللبيب طبع مطبعة محمد أفندي مصطفى ( ص 125 ) . ط ( 2 ) أخرجه الخرائطي في « مكارم الأخلاق » ( 478 ) وابن عدي في « الكامل » ( 7 / 2595 ) وابن الجوزي في « العلل المتناهية » ( 2 / 244 ) و « المجمع » ( 8 / 24 ) وأبو نعيم في « الحلية » ( 3 / 203 ) .